كيف نستحضرالصف الدراسي إلى الحياة، كما لو كان عملا فنيا





ورشة عمل خلال ممارسات مشروع الجامعة الدولية الحرة، ديكيومنتا ٦، ١٩٧٧، تصوير يواخيم تشرتزر

قراءة في فصل كيف نستحضرالصف الدراسي إلى الحياة، كما لو كان عملا فنيا بكتاب “الجحيم الاصطناعي” لـ كلير بيشوب

تدّعي كلير بيشوب أن هذا الفصل من الكتاب كان أصعبها كتابة، لأن “المشاريع الفنية البيداجوچية١” تلمس بقرب العلاقة الوثيقة بين مشاريعها المهنية الشخصية في مجالي “البحث و التعليم”.

عندما تدعي الممارسة الفنية كونها بيداجوچية، علي الفور يحدث صراع معياري في عقلي: معطى الفن هو أن ينظر إليه ويراه الآخرون، بينما التعليم ليس لديه “صورة”. المشاهدين ليسوا طلابا، والطلاب ليسو مشاهدين، علي الرغم من أن ثمة علاقة و تداخلا ديناميكيا بين الفنان والمعلم.

تاريخ الفن التشاركي يحرضنا للتفكير في تلك الفئات بشكل مرن و مطاطي. لعقود كثيرة حاول الفنانون إقامة علاقة وثيقة بين “الفن” و“الحياة”. أُشير هنا إلى تدخلهم في ممارسات اجتماعية اعتبروها بمثابة ممارسات فنية.

تشير كلير بيشوب لـ “منافيستا٢” ٦، ٢٠٠٦، الذي تم إلغاؤه وإعادة تنظيمه كمدرسة فنية في نيقوسيا، حيث تعتبر بيشوب أن تلك اللحظة هي التي بدأ فيها هذا الاتجاه في الامتداد بشكل سريع، كان من الواضح جدا الاهتمام باختبار تلك العلاقة بين “الفن” و“البيداجوچي”، مدفوعًا بدافع مزدوج، الاهتمامات الفنية (الرغبة في زيادة المحتوى الفكري المتعلق بالمخالطة الاجتماعية أو “العيش المشترك”) و تطورات التعليم العالي (صعود الرأسمالية الأكاديمية)، و منذ ذلك الحين، انخرط كل من الفنانين والقييمين “الكيوراتور” بشكل متزايد في المشاريع التي تستعير وتوظف “التعليم” كمنهجية وشكل: محاضرات وحلقات ومكتبات وغرف قراءة ومطبوعات وورش عمل وأحيانًا مدارس بشكلها الكامل وهذا بموازاة نمو الأقسام المتحفية التعليمية.

مع بداية الألفية الثالثة. تبدّى انتشار ملحوظ لمشاريع بيداجوچية، تباشر من خلال الفنانين والقيمين. من منظور معاصر، أحد أعمال جوزيف بويز٣ وأبرزها “١٠٠ يوم للجامعة الدولية الحرة”، نظم ل ديكيومنتا٤ ٦، ١٩٧٧، ثلاث عشرة ورشة عمل متعددة التخصصات، مفتوحة للعامة والاتحاد التجاري والمحامين والاقتصاديين والسياسيين والصحفيين والعمال والمعلمين وعلماء الاجتماع يتحدثون بجانب الممثلين و الموسيقيين والفنانين الناشئين، في توجه تجاوز العلوم الإنسانية لاحتضان العلوم الاجتماعية.

تدل الممارسات الأخيرة لبويز وبالخصوص عمله في ديكيومنتا ٦ علي ملامح مهمة لنشوء ممارسة تنظيمية “curatorial” و نشاطات فنية مغايرة لممارسات الفنانين المعاصرين في ذات الوقت، تعهد بويز تجاه الجامعة الحرة, مع الوضع في الحسبان شخصية بويز القيادية الكاريزمية ذات تأثير و أداء غير واضح بين كونه مشروع تعليمي أم مشروع شخصي يقوم على الفرد، على النقيض أو أقل احتمال مما يحدث من ممارسات فنية بيداجوچية حالية يتنجب فيها الفنان بأن يكون هو الشخص المتمحور حوله العملية البيداجوچية, في استعانة بمحاضرين ومعلمين متخصصين في المجالات المعني بها موضوع العرض، تماشيًا مع ميول واسعة تجاه “البرفورمانس التفويضي".

خلال وما بعد الثمانينات شهدت الفترة موجة فنية و تنظيمية أهتمت بمباشرة مشاريع ذات تطلع ألى دوائر اجتماعية خارج سياق الجاليري و المتاحف، تبنّى ذلك الاهتمام عدة استراتيجيات أحدها هو “الأداء التفويضي” أو البيرفورمانس التفويضي” حيث يستعين الفنان بأشخاص ليسوا فنانين بل متخصصين في مجالات أخرى للقيام بمهمة أدائية في ميعاد ومكان محددين متبعين تعليمات الفنان ونيابة عنه، اختلفت نوعيًا عن التقليد السينمائي و المسرحي في استخدام ممثلين ليقوموا بأدوار نيابة عن المخرج، ربما كان الاختلاف من حيث مساحة “البناء الهيراركي” في العرض و مساحة التجريب و الارتجال.

قد أولى تاريخ الفن “الأنجلوفوني” اهتماما ضئيلا جدا تجاه ممارسات بويز في 1970. على الرغم من حقيقة أن تاريخ الفن الانجلوفوني شكّل وركز علي معظم السلف من ذوي مبادرات “الفن المعاصر المنخرط اجتماعيًا” والذي يتقاطع مع أهداف فنية ذات طموح اجتماعي وسياسي وبيداجوچي. فقط چان ڤيرويرت Jan Verwoert يقدم قراءة دقيقة لشخصية بويز كمدرس خلال السبعينات, فيناقش أن إنتاج بويز يجب أن يشخص كونه مفرط الكثافة البيداجوچية و الالتزام السياسي، و كلاهما “البيداجوچية و الالتزام السياسي” عزّزّ وقوّض موقف بويز المؤسسي.

بويز كان مثيرا للجدل بقدر كونه تقدميًا جدًا، رفض المنهج الدراسي، واقترح الحلقات النقدية لمشاريع الطلاب تستغرق طوال اليوم. و أيضاً هاجم الأعمال “فيزيكالية" إذا تطلب الموضوع. صفع بويز تمثال واقعي من السيراميك يمثل “راهب”، وشق الطين بسكين ليرسم ابتسامة على وجه التمثال “الراهب”*, في حدث آخر لذات الطالب،“Bonifatius Stirnberg” الذي صنع تلك المرة تمثال “مشهد صلب المسيح” وضع بويز لوحا خشبيا أمام التمثال، أخفى كل شيء عدا رؤوس الأشخاص “التماثيل” الموجودين في المشهد، موضحًا بعد ذلك علي دلالة الفعل كاستقراء لغموض مفهوم “الدين”٥.



-

١- مفهوم البيداجوچيا لا يوجد له مقابل في اللغة العربية، ولا يوجد له تعريب واضح عند المفكرين التربويين العرب، لذلك حصل حوله جدل واسع. تتكون كلمة “بيداج=وجيا" في الأصل اليوناني، من حيث الاشتقاق اللغوي، من شقين، هم "Péda" وتعني الطفل، و" Agôgé " وتعني القيادة والسياقة، وكذا التوجيه.

٢- منافيستا: بينالي للفن المعاصر متنقل في اوروبا يشمل عموم الاقليم الاوروبي الثقافي.

٣- جوزيف بويس  ولد في 12 من مايو 1921 – 23 من يناير 1986م) كان أحد فناني شبكة فلاكساس، والواقعية، وفنان أداء ألماني الجنسية، كما كان أيضًا نحاتًا، وفنانًا تنصيبيًا، ورسام جرافيك، ومنظّرًا فنيًا، ومربيًا فنيًا.
 
٤- دوكومنتا هو واحد من أهم المعارض العالمية في الفن المعاصر و الفن الحديث، يقام مرة كل خمس سنوات في مدينة كاسل وسط ألمانيا، يشارك فيه فنانون من شتى أنحاء العالم. أسسه أرنولد بوده, الفنان والمعلم والمنسق, في عام 1955 كجزء من معرض البستانية الاتحادية (Bundesgartenschau) الذي أقيم في مدينة كاسل في ذلك الوقت, يطلق على معرض الدوكومنتا "معرض المائة يوما" لأن يتم افتتاحه لمدة مائة يوما فقط في كل مرة, وسيبدأ الافتتاح القادم من اليوم العاشر من يونيه وينتهى حتى اليوم السابع عشر من سبتمبر عام 2017

٥- Jan Verwoert, ‘class action’, Frieze, September 2006, pp. 150-5.

-

ترجمة بتصرف: محمد عبد الكريم
فبراير ٢٠١٦
Claire Bishop, Artificial Hells: Participatory Art and the Politics of Spectatorship, 2012