الفن التشاركي وسياسات المُشاهد، فصل الطليعة التاريخية


الحفلة المسائية المستقبلية عرض استيعادي علي مسرح جولدوني، البندقية، ايطاليا ١٩٨٦- تصوير ماوريتسيو بوسكارينو

يركز كتاب كلير بيشوب من خلال مقتطفات من تاريخ الحركات الطليعية علي الفن التشاركي و تدعي الكاتبه انها تستعرض نقاط سلبية و ايجابية من خلال تاريخ الفن التشاركي “Participatory Art” و تركز علي ثلاث حركات فنية تاريخية توقعت و استشرفت لظهور ممارسات فنية تعتمد علي المشاركة و العمل الجمعي. ثلاث حالات تشاركية و علاقتها بثلاث مواقف سياسية “الحركة الناشئه الفاشية في ايطاليا - البلشيفيين في روسيا - مناهضة الفكر القومي في فرنسا ما بعد الحرب”.

نركز في هذه القراءة علي ما يتعلق بحركة المستقبليين الايطالية و ممارساتهم الفنية التشاركية من خلال عروض السهرات الليلية البديلة “سيراتا” “Serata”. 

كانت الحركة المستقبلية الايطالية بمثابة ردة فعل مؤيده للمشروع الفاشي الايطالي، كرد فعل لمشروع ثقافي و فني موازي للمشروع السياسي الايديولوجي، اعلن المستقبليون بيانهم كمشروع فني ناشئ في كنف الايديولوجية الفاشية،. من بداية الحركة المستقبلية، كان فيليبو توماس مارينيتي مؤسس الحركة المستقبلية علي وعي تام لشدة الاحتياج الي شريحة الجمهور العريض خارج القاعات الفنية و الصالونات، لخلق وعي شعبي يستوعب ما يطرحه المستقبليين من اهداف سياسية و فنية، لإسقاط الطبقة البرجوازية الحاكمة وتمكين و تعزيز وعي وطني قومي عمالي، فمن خلال هذه النوايا بداء مارينيتي اكتشاف استراتيجيات جديدة لخلق تحالفات شعبية و جماهيرية من خلال مقالاته و اشعاره، و لكن لم تكن تلك الوسائط النصية كافية للوصول الي الجمهور الشعبي و العمالي، كان من الضروري اللجوء الي تغيير شامل للاستراتيجيات والمنهجيات المستخدمة، و الخروج الي الشارع و احتلال المسارح لتدشين معركته الفنية السياسية من خلال جمهور عريض من مرتادي المسارح و عروض الشارع. في الواقع كان البيان الفني الأول للمستقبليين و الذي نشر في كامل الصفحة الأولي لجريدة لافيجارو 20 فبراير 1909 و ايضا من خلال بعض الصحف الايطالية، بمثابة انجاز هائل. تبنت الحركة المستقبلية نظريات ك نظرية سيكولوجية الحشد “Psychologie des foules” ل جوستاف لي بون 1895 و نظرية ذكاء الحشود “L’intelligenza della folla” ل سيبيو سيجلي 1903. كتب لي بون عن اهمية الصورة بدلا من الخطاب المنطقي للتواصل مع الحشود، وهذا علي وجه التحديد ما اعتمدته الحركة المستقبلية في عروضها البصرية الادائية و اعتبروه المحرك الرئيسي للتواصل مع الجمهور العريض، أقرت الحركه المستقبلية في احدي بياناتها: ان من الواقع 90% من الايطاليين يذهبون الي المسرح في حين 10% فقط يقرؤون الكتب و البيانات، و لكن ما نحتاجه هو “مسرح مستقبلي” “FUTURIST THEATRE” معارض تماما لتوجه المسرح الايطالي التقليدي “passéist theatre” الرتيب الممل الكئيب.

حركة المستقبليين و السهرات الليلية تستعرض موقف الفنان تجاه الجمهور، او بمعني أخر استيعاب الفنان لرغبات الجمهور ومتطلباته الفنية، بجانب التورط في علاقات مشحونه بالمواقف العامه في سياقها السياسي. كسرت الحركة المستقبلية الايطالية الوسائل الفنية التقليدية و علاقتها بالمشاهد، و دشنت «الاداء الحركي» في خشبات المسرح و الشارع كوسيط اساسي و مثير للجمهور الايطالي في ذات الوقت، و من خلال تلك المنصه الفنية استطاعو اعلان غايتهم السياسية بشكل اوسع.

اقترحت واعلنت الحركة المستقبلية أن من خلال التاريخ نجد ان العمل الفني التشاركي يقع في مجال المسرح والفنون الادائية اكثر من وجوده في تاريخ التصوير والنحت. من ناحية نستطيع ان نتفهم موقف المستقبليين و انحيازهم للمسرح اذا رصدنا ابدعات و ابتكارات المسرح خلال القرن العشرين، ومن ناحية أخري حيث أن تلك الفنون تعتمد علي الاداء و العلاقة الحية بين الفنان و الجمهور، و المشاركة هنا ليست فقط مشاركة الفنانين في ذات العرض بل ايضًا مشاركة الجمهور للعرض و اعتلائه خشبة المسرح، و كسر الذات السلطوية للفنان، باساليب ابتكرها الجمهور لتعكس ردة فعله تجاه العرض و تلك الاساليب تضمنت القاء البيض والحجاره وربما اعتلاء خشبه المسرح لمهاجمة الفنانين، حيث يجب ايضا الوضع في الاعتبار ان ما كان يقدمه المسرح المستقبلي ليست عروض تقليدية و نصوص مسرحية. بل كانت عدة عروض قصيرة منفصله تمزج بين وسائط فنية مختلفة، يمكن اعتبارها انها بمثابة استشراف لما يسمى الأن في عالم الفن بالأداء الحركي «performance Art”.

السيراتا Serata كلمة ايطالية تعنى الحفلة المسائية، كانت دائما تتضمن تصريحات لمواقف سياسية و بيانات فنية وتلحين موسيقي و القاء شعر و تصوير زيتي، دشنت أول سيراتا 2 يناير 1910 فوق خشبة مسرح بوليتيما روزيتى بمدينة ترييستي الايطالية، لم يشارك الفنانين البصريين حتى تدشين العرض الثالث للسيراتا في 8 مارس 1910 في تشياريلا بمدينة تورينو الايطالية. شارك الفنانين امثال اومبرتو بوكيوني و كارلو كارا، كما ظهر علي خشبه المسرح خلال العرض الفنان لويجي روسولو، و كان قد قابل فيليبو توماس مارينيتي قبل العرض باقل من شهر. فمن الواضح ان السيراتا اهتمت بالجمهور اكثر من اهتمامها بالاداء الفردي علي خشبه المسرح، مما كان يؤدي الي فوضى كاملة اعتبروها لحظة بصرية يجب تصويرها، كما نري في لوحة ل بوكيوني 1910 و لوحة لجيراردو دوتوري 1914 حيث يظهر في اللوحة خشب المسرح و قد امتلئت بالقذائف الملقاه من جانب الجمهور.

دشنت السيراتا المستقبلية الكبيرة “The Grande Serata Futurista” علي خشبة مسرح كوستانزي بمدينة روما الايطالية في التاسع من مارس 1913 و قسمت الى ثلاث فصول واضحة، السيمفونية المستقبلية، وقراءة لأشعار مستقبلية و عرض للوحات و واعمال نحتية مستقبلية. شكلت المساحه البديلة لمعرض الفنانين المستقبليين جاذبية للعرض، حيث يواجه الجمهور اللوحات مباشرة دون اي وسيط علي غير العادة من المعارض و المطبوعات اللتي تعتبر مثابة حاجز بين الجمهور و المنتج الفني .

من خلال السيراتا كشكل من اشكال المعارض، نستطيع ان نتفهم كيف كان نجاح عامل المفجأة و الابتكار كأحد عوامل التشبيك مع الجمهور بجانب وعي المستقبليين بمفهوم “المشاهدية” “spectatorship” في ذات الوقت كان الفن الحديث لازال مقيد في القاعات و الصالونات الفنية و الجاليرهات التجارية، كان الفن الوحيد خارج القاعات و في الاماكن المفتوحه هي الاعمال النحتية و النصوب التذكارية و المجسمات المعمارية و علي النقيض كانت الحركة المستقبلية في ذات الوقت تعتمد علي فنون الاداء علي خشبات المسارح و في الشارع و من خلال جولات داخل ايطاليا مدعمة بمطبوعات وملصقات وبيانات ملقاه في الشوارع لإثارة انتباه رجل الشارع، تم توثيق تلك الجولات والعروض من خلال الصحف القومية والاجنبية و من ثم بداء يطلق علي تلك التجارب المستقبلية كونها “فنون الاداء” “performance art”.

من أهم ما يميز التجربة المسرحية للمستقبليين، أن النسخه المثالية للسيراتا لا تعتمد علي المكونات المعتادة للمسرح من حبكة درامية، شخصيات، اضاءة، ملابس، لم يكن منتج نابع من الطبقة المتوسطه ويخاطب ذات الطبقة، بل كان مسرح متنوع يستعير لغة الطبقات الدنيا، يميل الي مظهر غير متسلسل سرديًا يحتوي علي فقرات جمباز، كوميديا، غناء و مصارعة داخل اقفاص، من خلال تلك الفقرات اكد مسرح السيراتا علي التنوع و الميل الي الثقافة الشعبوية, فاصبحت العلاقة بين جمهور السيراتا و العروض تتطور لاتفاق ضمني علي لغة فنية معينة تبدو مزيج بين اشكاليات ايديولوجي معاصرة لجموع الفنانين، مقدمة الي الجمهور في اطار و لغة مألوفة لعموم الطبقة الدنيا ومثيلاتها تستهدف وضعه في خبرات مختلفة، لتعكس أجندة المستقبليين لتمكين الطبقات الدنيا من مناحي الحياة المختلفة، التي كانت حكراً علي الطبقات البرجوازية. لم تعتمد السيراتا فقط علي استخدام لغة شعوبية مألوفه، بل بحثت عن علاقه لم تكن معتادة ألا و هي التعاون مع الجمهور، لا تعتمد علي المشاهدة “التلصصية” المعتادة، التي يراها المستقبلون لا تهتم بتضمين المشاهد للعرض المسرحي وتعتبره مجرد مشاهد غبي. شارك الجمهور العرض بضوضاءه و افعاله و غناءه و حتي شارك الاوركسترا في العزف وتدخل أحيانًا في حوار الممثلين ليصنع حواراً غير تقليدي.

أصبحت السيراتا بمثابة مساحه ترفيهيه ثقافية للطبقات الدنيا و الطبقات الشعبية المختلفة، لقد وجد الجمهور ما يطمحه في تضمينه واستيعابه للمسرح من خلال فرص المقاطعة والارتجال، ربما ايضًا وجدو مساحه ما لسياق فني ديموقراطي يلعب المشاهد فيه دور ربما اهم من دور الفنان ذاته، و مع تكرار تجارب السيراتا اصبح المشاهد هو البطل أو الخصم، وصلت ذروة مشاركة الجمهور خلال ابتكارات جديدة لخلق الفوضى و اثارة الشغب خلال العرض المسرحي، نجد منها: وضع مواد لاصقة “صمغ” علي مقاعد المسرح، بيع نفس التذكرة الي عشرة اشخاص مما يتسبب في ازدحام و مشاحنات وخلافات، تقديم تذاكر مجانية لبعض الاشخاص الغير متوازنين بشكل ملحوظ و اشخاص سريعي الغضب و شباب وفتيات غريبي الأطوار، مما كان يتسبب في متضايقات للجمهور و التحرش بالنساء، و لكن لم تكن تلك الممارسات هي ذروة فوضى السيراتا. في 12 ديسمبر 1913 علي خشبة مسرح فيردي بفلورنسا تقدم احد الحضور واعطى مارينيتي مسدسًا و دعاه الي الانتحار علي خشبة المسرح! 

ترجمة بتصرف: محمد عبد الكريم
ديسمبر ٢٠١٥ 
Claire Bishop, Artificial Hells: Participatory Art and the Politics of Spectatorship, 2012